ابن عجيبة
336
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( بطرا ورئاء ) : مصدران في موضع الحال ، أي : بطرين ومراءين ، أو مفعول لأجله ، و ( يصدّون ) : عطف على ( بطرا ) ؛ على الوجهين ، أي : صادين ، أو للصد . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً ؛ جماعة من الكفار عند الحرب ، فَاثْبُتُوا للقائهم ، ولا تفروا ، وَاذْكُرُوا اللَّهَ في تلك الحال سرا داعين له ، مستظهرين بذكره ، متوجهين لنصره ، معتمدين على حوله وقوته ، غير ذاهلين عنه بهجوم الأحوال وشدائد الأهوال ؛ إذ لا يذكر اللّه تعالى في ذلك الحال إلا الأبطال من الرجال ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بالظفر وعظيم النوال . قال البيضاوي : وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي ألا يشغله شئ عن ذكر اللّه ، وأن يلتجىء إليه عند الشدائد ، ويقبل عليه بشراشره « 1 » ، فارغ البال ، واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في جميع الأحوال . ه . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ؛ فإن الطاعة مفتاح الخيرات ، وَلا تَنازَعُوا باختلاف الآراء ، كما فعلتم في شأن الأنفال ، فَتَفْشَلُوا وتجبنوا ، وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أي : ريح نصركم بانقطاع دولتكم ، شبه النصر والدولة بهبوب الريح ؛ من حيث إنها تمشى على مرادها ، لا يقدر أحد أن يردها ، وقيل : المراد بها الريح حقيقة ، فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثه اللّه من ناحية المنصور تذهب إلى ناحية المخذول . وفي الحديث : « نصرت بالصّبا ، وأهلكت عاد بالدبور » « 2 » . وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بالمعونة والكلاءة والنصر . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ، يعنى : أهل مكة ، خرجوا بَطَراً أي : فخرا وأشرا وَرِئاءَ النَّاسِ ؛ ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة ، وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة أتاهم رسول أبي سفيان ، يقول لهم : ارجعوا فقد سلمت عيركم ، فقال أبو جهل : لا واللّه حتى نأتى بدرا ، ونشرب بها الخمور ، وتغنى علينا القيان ، ونطعم بها من حضرنا من العرب ، فتسمع بنا سائر العرب ، فتهابنا ، فوافوها ، ولكن سقوا بها كأس المنايا ، وناحت عليهم النوائح ؛ مما نزل بهم من البلايا ، فنهى اللّه المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مراءين ، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص ، لأن النهى عن الشيء أمر بضده . وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي : خرجوا ليصدوا الناس عن طريق اللّه ، باتباع طريقهم ، وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ فيجازيهم عليه . الإشارة : خاطب اللّه المتوجهين إليه ، السائرين إلى حضرته ، وأمرهم بالثبوت ودوام السير ، وبالصبر ولزوم الذكر عند ملاقاة القواطع والشواغب ، وكل ما يصدهم عن طريق الحضرة ، وذلك بالغيبة عنه والاشتغال بالله عنه ،
--> ( 1 ) أي : بجملته ، واحده : شرشرة . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( الاستسقاء - باب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « نصرت بالصبا » ) ومسلم في ( الاستسقاء - باب ريح الصباء والدبور ) . عن ابن عباس رضى اللّه عنه .